الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حديقه الانسان(متجدد) من ادبيات أحمد مطر غير الشعريه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
3atif
عضو ملكي
عضو ملكي


ذكر
عدد الرسائل : 340
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 27/12/2008

مُساهمةموضوع: حديقه الانسان(متجدد) من ادبيات أحمد مطر غير الشعريه   الخميس يناير 01, 2009 12:49 pm


أحمد مطر
مقالات
(أدبيات أحمد مطر غير الشعرية )
ونواصل نشرها تباعا



دوائر




نظرت من نافذتي في الطابق الثالث. كان الشارع ساكناً، وبدت المحلات علي جهته المقابلة متراصفة مع سكونه مثل التوابيت. وكان المارّة القليلون يتحّركون علي الرصيف ببطء وضجر، مثلما تتحّرك موجات النهر المتكاسلة امام هبّة ريح خفيفة.



رفعت بصري إلي السماء، فبدت لي مكتظّة بالغيوم الدّاكنة الكئيبة.



خطرت في ذهني المترع بكآبة لا حدّ لها، صورة حجر مقذوف كالطلقة، يكشط، في تسارعه، وجه الماء الساكن، ويستثير الضجّة من حوله، ثمّ لا يلبث أن يخلّف من بعده دوائر تترادف وتتّسع إلي ما لانهاية.



وفكرّت في أنّ تلك الغيوم إذا ما بصقت حمولتها علي وجه الشارع فلن تبعث فيه الحياة المرجّوة. سيسطع البرق للحظة، ربما، وسيزأر الرّعد لثوان، ربما، لكن هذا هو كلّ شيء. وفي المقابل فإنّ خرير المطر الموحش سيكتسح أمامه حتّي موجات العابرين المتكاسلة، وسيجبر حتّي الأبواب القليلة المفتوحة علي الكفّ عن تثاؤبها.



***



(كرااااش)!



ركزّت جوارحي كلّها في نظرة عاجلة إلي واجهة دكّان الخبّاز. ها هو ذا حجر قد اندفع بعنفوان ليفتتح سيمفونيّة الحياة.



بلمح البصر خرج الخبّاز حانقاً، وفي يده لوح الأرغفة الخشبي، وجري من ورائه جميع عمّال المخبز.



داست الأرجل شظايا الزّجاج التي ملأت الرّصيف. صرخ واحد من العمّال الحفاة، وراح يتقافز علي رجل واحدة، حاملاً بيديه رجله الأخري وهي تقطر بالدّم.



صاح الخبّاز وهو يري الواجهه مهشّمة تماماً:



- أولاد الكلب.



كان أمام الدَكان صبيّ مطأطيء نحو الأرض يبحث عن درهمه الذي سقط منه. تلّه الخبّاز من ياقته، وألهب وجهه بصفعة رنّانة، أردفها بالصرّاخ:



- ابن الكلب.. ماذا تريد ان تكسر أيضاً؟!



ارتعش الصبيّ بين يَديّ الخبّاز. وبعد هنيهة من صمته المطبق نتيجة خضّة المفاجأة، أطلق عقيرته بصراخ يمزّق الاذان.



تفتّحت النوافذ علي جانبي الشارع، وتردّدت الهمهمات والصيّحات متسائلة، ثم تتابع هطول النّاس من أبواب المباني.



أقبلت امرأة مذعورة، واخترقت الزّحام. وحين رأت الصبيّ غارقاً في دموعه وهو مشنوق من ياقته بيد الخبّاز، لطمت خدّيها وصدرها، وأطلقت صيحة فزع عالية:



- ابني!!



جذبت الصبيّ بعنف، وانتشلت اللّوح بسرعة من يد الخبّاز، ثمّ راحت تجلده به بضربات متلاحقة، وهي تصرخ بلا انقطاع:



- جبان. جبان.



حاول أحد العمّال استخلاص اللّوح من يدها، فسقطت علي الأرض، واندلع غضبها، حينئذ، أعنف ممّا كان.



اندفع رجل من وسط الزّحام، وتوجّه كالعاصفة نحو ذلك العامل الذي أسقط المرأة.



كان الرّجل، في عجلته للنزول، لا يرتدي غير سروال بيجامته، وكان وجهه لا يزال مغطّي بالصابون.



صاح النّاس برعب:



- العن الشيّطان يا رجل!



تراجع العامل فزعًا، وامتدت الأذرع للإمساك بالرّجل الغاضب الذي كان يصرخ، وفي يده تلتمع شفرة الحلاقة:



- يا خسيس.. تضع حيلك في امرأة؟!



أفلح البعض في جذب الرّجل الشّهم وتثبيته في مكانه، لكنّ موجة الزّحام الطاغية دفعت بالعامل نحوه بقوّة.



تدفّق الدّم كالنافورة، واصفّر وجه الشّهم الذي ما زالت يده قابضة علي الشّفرة المغروزة في بطن الخسيس.



صرخ العامل المطعون قبل أن يهوي علي الرّصيف:



-قتلني!



أقبل من آخر النّاصية شرطيّ يركض. وقف بين الجموع حائراً. كان الجميع يشدّونه من كلّ جانب، وكانوا جميعاً يزعقون في وقت واحد، مشيرين إلي كل الاتجّاهات: من الخبّاز وعمّاله، إلي الأم وولدها، إلي صاحب الشّفرة، إلي جثّة العامل النازفة فوق الرصّيف.



توقّفت السّيارات في الشارع، وراحت تنفخ أبواقها دون جدوي، حيث لم يكن هناك سبيل إلي تفريق الناس.



وبين الفينة والأخري، كانت صفّارات شرطة المرور تزغرد آمرة بالتحرّك، لكن لم يكن في وسع السائقين إلاّ مواساتها بنفخ الأبواق وضخّ البنزين ودوس الكوابح بسطتُ ذراعيّ علي طوار النافذة، مصيخاً إلي ضجّة الحياة التي بعثها ذلك الحجر السّاحر في سكون نهر الشّارع، ورحت أرقب بشغف، تلك الدوائر التي خلّفها وهي تترادف وتتّسع.



قلت وأنا أسمع صفّارات الشرطة:



-تلك هي دائرة المرور.



ولم يلبث صوت سيّارة الإسعاف أن أتي يتأوّد من بعيد، وارتفع بالتدرّيج كصرخة المفجوع.



- ها هي ذي دائرة الصحّة.



ثم ضحكت حتّي دمعت عيناي، حين امتلأ الشّارع بعويل متصّل مصحوب برنين الأجراس.



قلت وأنا أغمض عينيّ منتشياً:



-.. وهذه دائرة الإطفاء.



فتحت عينيّ لأري المارّة يتراجعون صائحين، أمام لهب النار، ورجال الإطفاء يقتحمون بخراطيمهم دكّان الخباز الذي اندلع فيه الحريق.



كانت النّار تشبّ وتخبو مكفّنة بالدّخان ورائحة الاحتراق. وكان الزّحام يشتدّ، وكانت الضجّة ترتفع وترتفع.



سمعت قرعاً علي بابي.



تركت النافذة، وفتحت الباب. رأيت أمامي شرطياً عابساً، وإلي جانبه رجل غاضب، ووراءهما حشد من النّاس.



قال الرّجل الغاضب وهو يشير إليّ:



- هذا يا سيّدي.. نعم هو نفسه.



لقد رأيته بعينيّ هاتين، من نافذتي علي الجانب الآخر، وهو يقذف الحجر نحو واجهة المخبز.



قُلت في سرّي، وأنا أهبط من علي الدّرج أمام الشرطي والجماهير:



- ها نحن قد وصلنا، الآن، إلي دائرة القضاء! ورحت أتخيّل ميلاد دوائر أخري وأخري، فأنا أعلم علم اليقين أنّ الدوائر التي يصنعها ارتطام الحجر بالماء الساكن ستظلّ تترادف وتتّسع بلا نهاية.



قلت لنفسي، وأنا أصعد إلي سيّارة الشرطة: - لا يهمّ.. لقد بعثنا الحياة في الشّارع!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
3atif
عضو ملكي
عضو ملكي


ذكر
عدد الرسائل : 340
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 27/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: حديقه الانسان(متجدد) من ادبيات أحمد مطر غير الشعريه   الإثنين يناير 12, 2009 11:52 am

شكلها كده هتبقى اول واخر قصه

يا جماعه والله جامده
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حديقه الانسان(متجدد) من ادبيات أحمد مطر غير الشعريه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتـداكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم :: الارشيف-
انتقل الى: