الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الكنز

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ساسو
مشرفة
مشرفة


انثى
عدد الرسائل : 507
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

مُساهمةموضوع: الكنز   الجمعة فبراير 27, 2009 5:03 am



استيقظ الصباح بعد نوم ثقيل وتثاءبت الشمس ..حقا كانت ليلة باردة
حتى تلك
السحب التي تزاحمت لتلتمس الدفء من بعضها البعض قد ألقت بإهمال قطرات
المطر وهي على ثقة أنها لن تخفف حدة برد هذا الشتاء العنيد

كان الدخان
المتصاعد من مدخنة فرن المخبوزات المشهور في الحي والذي يمتلكه الحاج محمد
هي الشيء الوحيد الذي يبشر ببعض الدفء ..حيث إجتمع أهل الحي في طوابير
زاعمين أنه نظام وقد وقف كل منهم مائلا إلى الجهة التي يفضلها ومنتظرا
دوره ليفوز ببعض من الأرغفة الطازجة ويهرول إلى داره بعد أن يدب النشاط في
أوصاله فور أن تصل رائحة الخبز لأنفه المتجمد

لكنها كانت
الوحيدة التي تتلفع بمعطفها الرمادي الطويل وتسير في تؤدة إلى السوق ومعها
حقيبتها الزرقاء التي عرفها الناس بها..كم هي كبيرة تلك الحقيبة..إنها
(صفية) وهي بالفعل صفية القلب والروح

تسكن في
بيتها المكون من طابقين والذي يشبه في منظره الباهات وجدرانه المتآكلة
الرجل العجوز المتهالك الذي إقتات عليه الزمن بنهم فصار مجرد هيكل عظمي
يتكيء على عصاة ليتابع بعض الأنفاس

ربما سينهار بين لحظة وأخرى!
يا للعجب
مال الحاج
( محمد) وهو يبرم أطراف شاربه على كتف صديقه المثقف (طه) والذي كان يقلب
الجريدة لعله يجد خبرا يستفز به الواقفين في الطابور ليلتفوا حوله بعد أن
يرفع صوته وهو يقرأ الخبر كعادته دائما وقال له

-لا أدري أين تذهب كل يوم
-يقولون أنها تذهب إلى السوق
- وماذا تشتري؟إنها تعيش وحدها ولا أظنها تأكل إلا رغيفا من الرغيفين الذين تبتاعهما من (حسونة) كل يوم
-لا أدري لم يصمم هذا الفتى على توصيل الخبز لها وهي لا تعطيه إلا قروشا معدودة رغم أنها ثرية
-إنها بخيلة..لا أدري لماذا لا ترمم بيتها
-يقولون أن الكنز الذي عندها يكفي لهدمه وبنائه في أسبوعين..بل أسبوع
إقترب (حمادة) والذي كان قد حصل للتو على الأرغفة العشرة وسمع حديثهما فأضاف وهو يهز رأسه :
-أتعلمون..لقد رأت زوجتي صندوق الكنز في خزانتها عندما ذهبت لزيارتها في العيد عندما فتحتها لتعطي أبنائي العيدية
إعتدل
(طه)في جلسته وتذكر كيف نهر زوجته التي أخبرته أنها تود أن تزور صفية
لأنها وحيدة وكيف خسر أبناءه العيدية المحترمه ,ثم وجه كلامه
ل(حمادة)قائلا:

-هل عرفت زوجتك شيئا عن أسرارها ولمن سيكون البيت بعد أن تموت
-لا أدري..أسأل الله أن يطيل عمرها
وإنصرف
(حمادة)وهو يتمتم بالدعاء للسيدة الفاضلة التي دائما كانت لا تبخل على
أهله بخيرها بطريقة أو بأخرى عيدية أو أكياسا من الفاكهة أو الكثير من
الحلوى ..كانت تعرف أنه طيب ومجتهد وأيضا كثير العيال..فلم تبخل عليه
أبدا...

عادت (صفية)من السوق....ولمحها (حسونة) فأسرع بالرغيفين وسار معها إلى البيت بعد أن حمل الحقيبة الزرقاء..ودار بينهما حوار
-لا تتأخر اليوم يا حسونه
-نعم يا سيدتي سأحضر تماما عند الواحدة والنصف
-بارك الله فيك يا ولدي
كانت تعد
الطعام كل يوم لسارة وهدى وعلياء وعبد الله...وهم أربعة من الأيتام توفي
أبوهم على فراش المرض ..إختفت أمهم التي كانت تخرج كل يوم لتعمل وتعود
متهالكة ببعض الجنيهات..ليكتشفوا أنها ماتت في حادث سيارة بعد أيام..فتسرع
سارة لتدق الباب على (صفية) وتخبرها بما حدث..فتتعهدهم منذ تلك الدقات على
بابها والتي تلتها دموعا كثيرة..وها هي قد مرت السنوات الثلاث ووصلت (سارة
)للثانوية العامة

حسونة كان
من يحمل سلة الطعام على دراجته...ويسرع ليضعها على الباب...ويدق الجرس
ويبتسم وهو يسمع صوت أقدام هدى وعلياء وعبد الله وهم يركضون للباب...وتأتي
سارة لتحدثه من خلف الباب..فيخبرها أنه وضع السلة ويختفي من أمام الباب
لتفتح هي وتأخذ الطعام((هكذا أوصته صفية التي إختارت أن يكون رسولا بينهما
بعد أن وثقت فيه لأمانته))

ومرت
الأيام...ومرضت أم (حسونة) إنها تموت...وتحتاج إلى المال لإجراء عملية في
قلبها والحالة خطيرة..إزداد الأمر سوءا..وأصبح يبكي وهو يعمل وعرف الجميع
بظروفه...فنادى عليه الحاج محمد وإقترح عليه حلا لمشكلته:

-لماذا لا تطلب المال من صديقتك الحاجة(صفية)فهي تملك كنزا في خزانتها
-لا أظن..وأظنها إشاعة
-والله إنك طيب يا فتى..
وإبتسم
الحاج(محمد)إبتسامة صفراء...وظل يصف له ما سمعه من حريمه عن الكنز وما به
من سلاسل وعقود وأساور...وأنها لبخلها تحتفظ به في خزانتها..وعاد حسونة
لبكائه وساءت حالة أمه وجاء وقرر أن يسأل السيدة (صفية)بعد أن لوح له
الموت من خلف نظرات أمه المريضة فخاف كثيرا..

ذهب إليها
وطرق الباب...وإنتظر طويلا حتى فتحت له..ورفعت رأسها الذي اشتعل بالشيب
وهربت منه ضفيرتان بيضاوان فاحتضنتا عنقها الذي احتلته التجاعيد..نظرت
إليه بحنان ودعته للدخول...فجلس على كرسي عتيق زينت يداه بقطع الصدف
الأبيض ووجد نفسه تماما أمام باب غرفتها

أخبرها
بحالة أمه وطلب منها المال..فارتبكت وأخبرته أنها لا تملك المال..وقامت
وأسرعت لغرفتها ودلفت إليها وإقتربت من خزانة ملابسها لتفاجأ به خلفها وقد
إتسعت عيناه وتجمدت ملامحه...ووقف يهددها قائلا

-لماذا لا تعطيني بعضا من كنزك ايتها العجوز الشمطاء..ألا يكفيك هذا البيت .. أمي تموت...تموت...أخرجي هذا الصندوق أيتها البخيلة
ودفعها لتسقط على الأرض...ومد يده ليخرج الصندوق...وإذا بها تناديه بصوتها المخنوق المرتجف :
-بحرص يا(حسونة) فليس عندي غيره
وفوجيء حسونة بما وجده...ووقف كالصنم وهو يتأمل ما فيه ثم قال بهوان:
-أهذا كنزك!
-نعم يا بنيّ
-لكن...
-يقولون...يقولون...أليس كذلك؟
-نعم
-دعهم يقولون...ودعني أعيش على كنزي
واحتضنت الصندوق وجلست على طرف فراشها..وجلس حسونة عند قدميها...وبدأت تخرج له كنوزها:
-هذه نظارة
زوجي مات وهو يرتديها ..أنظر هذه بصمته لم أمسحها..وهذا مفتاح المنزل...لا
زلت أشعر بدفء أصابعه عليه...وهذه نواة تمرة أفطر عليها عندما زارني مرة
في بيت أبي أثناء الخطبة.

قاطعها
حسونة وهو لا يزال خجلانا من فعلته ومتعجبا من تجاهلها لما فعله وسألها
بصوت مرتبك عن الصورة التي رآها هل هي لإبنها فنظرت إليه قليلا ثم أعطته
الصورة..ومدت يدها مرة أخرى لتخرج منديلا إصفر حتى إختنق بياضه من مرور
الزمن ودست أنفها فيه لتبحث عن رائحة زوجها وأجابت:

-لا..هذه صورة زوجي وهو شاب هكذا كان شكله عندما جاء ليخطبني
-وأين إبنك
-ليس لي أبناء يا ولدي
-ظننت أن لك إبنا في الخارج...سمقتهم...
-يقولون...
-نعم
-لا يا
حسونة...لم أنجب..عشت مع زوجي أربعون سنة وأنا أعرف أنه لا ينجب...ورضيت
بالقرب منه لأنني أحبه..ولا زلت أحبه...وأتمنى أن يجمعني به الله في
جنته..أنظر...هذا مصحفه الذي كان يقرأ فيه..وهذا آخر سواك استخدمه...

-سيدتي..سامحيني...أنا
-لا تعتذر
يا بنيّ أنا أعرفك من زمن...وعلى يقين من أمانتك وأشعر بيأسك لمرض
أمك..هيا..هيا قم وأذهب الآن لأمك...ولكن لا تخبر أحد عن سري...وأتركهم
يقولون...ودعني أعيش بالستر....وليظنوا ما يظنوا.

وانصرف حسونة...ومرت الأيام...وتوفيت أمه...ومرت ثلاثة أيام ولم يرى الناس (صفية)كعادتها كل يوم..وأثارهم فضولهم وتساءلوا هل ماتت؟
وقرروا
إقتحام منزلها بعد أن جاءت تسأل عنها فتاة مليحة الوجه هادئة الملامح لم
يعرفها حسونة إلا عندما أخبرته أنها سارة فقد كان يضع السلة وينصرف

أخبرته أنها طرقت بابها ولم يفتح أحد فاتجهت إليه بالفرن لتبحث عنه
دخل(حسونة)
إلى منزل (صفية) ومعه(حمادة) وجدا(صفية)في حالة خطرة...كانت ممددة على
الفراش وفي يدها مفتاح الخزانة..ورقم هاتف في ورقة صغيرة..وكأنها تريد أن
تخبرهم بأمر هام...

مرت ليلة
طويلة سهرها حسونة تحت أقدامها بالمستشفى...راقب المحاليل وهي تنخفض
..وراقب حرارتها وهي ترتفع...وراقب لحظاتها الأخيرة وهي تنتهي..وحفظ قسمات
وجهها قبل أن يغطيه لتنطوي صفحة مملوءة بالحنان


لم يجرؤ
على حمل المفتاح فأعطاه ل(حمادة) الذي سارع بطلب رقم الهاتف ليأتيه صوت
الأستاذ( عزيز)محامي السيدة صفية..لقد كتبت المنزل والأرض التي بني عليها
بإسم حسونة وسارة


ذهب معه
الحاج(محمد)..والأستاذ(طه) و(حمادة) وبعض من أهل الحي...واستمع الجميع
للمحامي وهو يقرأ الرسالة ويريهم الأوراق والمستندات..

ومرت الأيام و استيقظ صباح جديد وتثاءبت نفس الشمس لكن السحاب قد إزدحم فوق بيت(صفية)لينعم ببعض الدفء من هناك
إنه دفء الحب
تزوج (حسونة) من( سارة)...وأحضرها إلى منزل (صفية) ومعها هدى وعلياء وعبد الله
وضج المنزل بتغاريد الصغار
ولم يخبر
أحد بالكنز إلا (حمادة) الذي آثر أن يحفظ السر أيضا...وعاش(حسونة)
بالستر...وكان يمر الآن ببدلته الأنيقة بعد أن أكمل تعليمه بتشجيع من سارة
والآن يعمل كاتبا بسيطا...لكنه غنيّ..لأن زوجته بدأت تصنع منه
كنزا...تحتفظ في كل يوم بشيء منه فيه...لأنها كانت تعرف القصة من البداية
من صاحبة الكنز

إنها صفية
زوجة رجل ثمين جدا

د.حنان لاشين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الكنز
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتـداكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم :: الارشيف-
انتقل الى: